11/12/2025
قد يجذبك في امرأة ملامحها، حجم حضورها، جمال عينيها، ورهافة حسها، وقد يأسر قلبك انتقاء كلماتها بمهارة شاعر، لكن شيئًا صغيرًا كنبرة صوتها في لحظات الغضب، أو عجزها عن اختيار الكلمة العادلة في الوقت الصعب قد يجعلك تتراجع، وكأن بعض تفاصيلها تبنيك، بينما تفاصيل اخرى تنسف ما بني.
وفي ابتسامتها قد ترى الوطن ذاته، الوطن الذي أهلكك وأضاع مستقبلك، ومع ذلك تسكن فيه كل هويتك. تراها فتشعر أنك تقف امام مرآة لهوية لا تستطيع البوح بها، لا حبًا في الصمت، بل تنازلًا أمام هويات اخرى تحيط بك.
ضحكتها وحدها قد تكون كالنبت في صحراء قاحلة، أو كالبئر امام عطشان. قد تجد فيها الوطن الذي انعدمت فيه الحياة، لكنها على غرابته تعيد ترتيب فوضى وجودك، وتجعلك ترى العالم من أعين اخرى لم تكن لتبصر بها لولاها. فالحبيبة في الغربة تتحول إلى أم وأخت ووطن بديل، ترضعك الحنان في زمن المهالك، وتنتشلك من الوحدة، لا لأنها بعيدة عن جراحك، بل لأنها تملك قدرة فريدة على التوازن وسط الخراب.
الإنسان في الغربة لا يبحث حقًا عن امرأة، بل عن وطنٍ صغير يمكن الاتكاء عليه، عن ملاذ أخير يقيه برد المسافة. يبحث عن الأسرة التي يشتاق إليها، وعن الذكريات التي تطارده في انصاص الليالي. يعمل ويشقى ليؤمن مستقبله، لكنه في كل امرأة يصادفها يبحث عن النبرة التي تشبه أمه، وعن الحنان الذي يشبه أهله، وعن الطمأنينة التي تشبه بيته.
ولهذا تجد المغترب مهما طال ابتعاده يحدق في الوجوه باحثًا عن امرأة من مجتمعه، تحمل ثقافته، وتحتفظ بذاكرة المكان الذي جاء منه. لا لأنها فقط حبيبة، بل لأنها، في اللاوعي العميق، البديل الممكن لوطنٍ ضائع.