05/03/2026
باب الخروج لا يصنع بطلا, قراءة في مسرحية “ممنوع من الدخول”
في زمن صار فيه كل واحد يحمل هاتفه كأنه يحمل كاميرا قناة دولية، أصبحت بعض “المعارك الكبرى” تبدأ من مكان بسيط جدا باب الدخول وباب الخروج. هناك، أمام المعرض الدولي للكتاب، حاول المعطي منجيب، أن يحول مسألة تنظيمية عادية إلى ملحمة حقوقية كبرى، وكأن الحارس الذي يقول له: “سيدي، الدخول من الباب الآخر” قد أصدر في حقه قرارا أمميا بالمنع من الحياة.
المشهد، في ظاهره، بسيط: رجل يريد الدخول من باب الخروج. الحراس يقولون له بهدوء: “آ سيدي، الله يرضي عليك، هادا باب الخروج، سير لباب الدخول.” لكنه، بدل أن يتجه مترين أو عشرة أمتار نحو الباب الصحيح، اختار الطريق الأطول: طريق الصراخ، والاحتجاج المسرحي، ورفع الصوت، وإعلان المظلومية الكبرى. وكأننا أمام واحد من أهل الدوار حين يجد الساقية مغلقة فيقول: “هادو سدو عليّ الواد كامل!” ثم حول سمومه الى مستشار الملك في محاولة للتفطية على تشمكيرة ، ياك اسيدي ملي كضرب الشيشة في القهاوي مع الفتشياتش، و على أنغام حجيب حين يقول "ريحة المعيطي في طْليميطي "هضر معاك شي واحد ؟
المشكل هنا ليس في الرغبة في حضور محاضرة، ولا في الرغبة في مناقشة الطاهر بن جلون أو مواجهته فكريا. فمن حق أي مواطن أن يحضر، ويسأل، ويناقش، ويعارض، ويقول رأيه. المشكل في تحويل واقعة تنظيمية واضحة إلى مشهد مصنوع بعناية، كأن الغاية ليست الدخول إلى المعرض، بل الخروج بصورة الضحية. أراد الدخول من باب الخروج، فلما قيل له: “ليس من هنا”، أراد أن يجعل “ليس من هنا” مرادفة لـ “أنت ممنوع من كل شيء”.
وهنا تبدأ الكوميديا السياسية: باب الخروج صار مؤامرة، والحارس صار جهازا، والتنظيم صار قمعا، والاتجاه نحو باب الدخول صار تنازلا عن المبادئ. يا سلام! لم يبق إلا أن نكتب على لافتة المعرض: “من أراد البطولة فليدخل من الباب الخطأ، ومن أراد الكتب فليتبع السهم.
آ السي المعطي، الباب باين، واللوحة باينة، والحارس ما قالش ليك ارجع لداركم، قال ليك غير دخل من الباب ديال الدخول. واش حتى الباب خاصو بيان حقوقي؟ فالمعرض، بحكم التنظيم، له مداخل ومخارج. هذا أمر يعرفه الطفل قبل الأستاذ، والزائر قبل المناضل، والقارئ قبل الخطيب. أما أن يصر شخص على الدخول من المكان الخطأ، ثم يصرخ بأنه ممنوع، فهذه ليست بطولة؛ هذه أقرب إلى من يوقف سيارته وسط الطريق، ثم يحتج على قانون السير لأنه لم يسمح له بالتحليق.
والأطرف من ذلك أن الواقعة قدمت وكأنها جزء من سلسلة طويلة: ممنوع من السفر، ممنوع من الدخول، ممنوع من الكلام، ممنوع من كل شيء. والحال أن الحراس، لم يقولوا سوى: “ادخل من باب الدخول.” أي إن الرسالة كلها تختصر في جملة إدارية بسيطة، لكن المسرح يحتاج دائما إلى مبالغة: قليل من الصراخ، قليل من العبارات الكبيرة، قليل من الدراما أمام الكاميرا، ثم يصبح الباب قضية وطنية.
هنا تكمن الحيلة المفضوحة صناعة صورة لا صناعة موقف. فبدل أن يدخل من الباب الصحيح ويحضر المحاضرة، أو يواجه الطاهر بن جلون بسؤال قوي، أو يكتب مقالا رصينا، اختار أن يجعل من العتبة مسرحا. كأن المهم ليس ما سيقال داخل القاعة، بل ما سيصور خارجها. وهذا هو الفرق بين المثقف الذي يذهب إلى النقاش، وبين من يذهب إلى اللقطة
في الثقافة الشعبية نقول: “اللي بغا العرس كيدخل مع الباب، واللي بغا الصداع كيقلب على الشرجم” وهنا لم تكن النافذة، بل باب الخروج. ومن غرائب الزمن أن يتحول احترام مسار الدخول والخروج إلى موضوع احتجاج. وغدا ربما نرى من يحتج لأن المصعد نازل وهو يريد أن يصعد، أو لأن المرحاض مكتوب عليه “للنساء” وهو يريد إثبات أن هناك منعا سياسيا من استعمال المرافق.
طبعا، السخرية هنا ليست من الحق في الاحتجاج، ولا من حرية الرأي، ولا من حق أي شخص في مناقشة كاتب أو مفكر. السخرية من المبالغة المصطنعة حين تريد أن تحول كل تفصيل عادي إلى اضطهاد عظيم. هناك فرق بين من يمنع فعلا، ومن يبحث عن باب خاطئ ليقول إنه ممنوع. وهناك فرق بين من يخوض معركة أفكار، ومن يخوض معركة مع سهم مكتوب عليه: “الدخول من هنا”.
ولو كان الأمر فعلا يتعلق بمواجهة فكرية مع الطاهر بن جلون، فالطريق واضح: الدخول من الباب الصحيح، الجلوس، الاستماع، رفع اليد، طرح السؤال، ثم نشر الرأي. أما تحويل باب الخروج إلى منصة صراخ، فهذا لا يهزم الطاهر بن جلون، ولا يقنع الجمهور، ولا يصنع قضية. إنه فقط يمنحنا مشهدا يصلح لعنوان ساخر: “منجيب ضد الباب: ملحمة الاتجاه المعاكس.”
ليس كل من رفع صوته صار مظلوما، وليس كل باب خروج يصلح لبناء أسطورة سياسية. أحيانا، يا سادة، القضية كلها أن الباب خطأ. ومن أراد الدخول فعلا، فليدخل من باب الدخول. أما من أراد المسرح، فسيجد دائما حارسا، وبابا، وكاميرا، وجملة جاهزة: أنا ممنوع من كل شيء.