07/16/2026
أنوبيس وبرومبتات كسر الحماية… عندما يؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا وليس حقيقةً جديدة
خلال الأشهر الأخيرة انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تزعم أنها تكشف “شخصية خفية” داخل برامج الذكاء الاصطناعي، وغالبًا ما تحمل أسماء مثل Anubis. ويظهر فيها الذكاء الاصطناعي وكأنه تحول إلى شخصية أكثر جرأة وثقة، تتحدث عن “علوم محرمة” أو “أسرار مخفية” أو “حقائق لا يريد أحد أن تعرفها”.
وقد دفع ذلك كثيرين إلى الاعتقاد بأن هذه المحادثات تكشف عن شخصية مستقلة أو قدرات سرية داخل الذكاء الاصطناعي.
لكن الحقيقة مختلفة.
ففي أغلب هذه الحالات لا يتعلق الأمر بوجود برنامج سري أو شخصية خفية، وإنما باستخدام ما يعرف بـ برومبتات كسر الحماية (Jailbreak Prompts)، وهي تعليمات يصوغها بعض المستخدمين لمحاولة تغيير أسلوب استجابة النموذج أو الالتفاف على بعض القيود التي تضعها الشركات المطورة.
وتعمل الشركات المطورة باستمرار على تحديث نماذجها، واكتشاف أساليب كسر الحماية، وسد الثغرات التي قد تستغلها هذه البرومبتات. لذلك قد تنجح بعض المحاولات لفترة قصيرة، ثم تفقد فعاليتها مع التحديثات اللاحقة، لتظهر بعدها محاولات جديدة بأسماء مختلفة.
وعندما يستجيب النموذج لهذه التعليمات، فإنه لا يصبح كيانًا جديدًا، بل يؤدي دورًا طُلب منه أداؤه.
فالذكاء الاصطناعي تدرب على كم هائل من الكتب والروايات والحوارات والنصوص الأدبية وغيرها من أشكال التعبير الإنساني، ولذلك يستطيع تقمص شخصيات مختلفة بإتقان لافت. فإذا طُلب منه أن يتحدث كشخصية واثقة، أو غامضة، أو متمردة، فإنه يحاكي هذا الأسلوب بدرجة قد تجعل بعض المشاهدين يظنون أنهم أمام شخصية حقيقية مستقلة، بينما هو في الواقع يقدم أداءً لغويًا متقنًا مستفيدًا من مخزونه الهائل من أنماط الكتابة البشرية.
لماذا ينجذب الجمهور إلى هذه المقاطع؟
السبب لا يعود إلى امتلاك الذكاء الاصطناعي قدرات خارقة، بل إلى طبيعة الإنسان نفسه.
فالإنسان ينجذب بطبيعته إلى الغامض والممنوع، ولذلك تثير عبارات مثل “العلوم المحرمة” و**“الأسرار المخفية”** فضولًا كبيرًا. وعندما تُعرض هذه الموضوعات على لسان شخصية تتحدث بثقة وكاريزما عالية، يبدو الحوار أكثر إقناعًا وإثارة.
ويزداد هذا التأثير لأن الذكاء الاصطناعي يجيد محاكاة أساليب الحوار البشرية، فيبدو وكأنه يمتلك شخصية مستقلة، بينما هو في الحقيقة يؤدي دورًا لغويًا بإتقان شديد.
ولعل اللافت أن بعض التعليقات المصاحبة لهذه المقاطع تتعامل معها وكأنها تكشف عن كيان واعٍ يخفي أسرارًا لا يعرفها البشر. وهذا الانطباع مفهوم، لأن النماذج الحديثة وصلت إلى مستوى مدهش في محاكاة الحوار، لكن الانبهار بالتقنية لا ينبغي أن يتحول إلى التسليم بكل ما يقال.
فالثقة في أسلوب الحديث لا تعني صحة المعلومات، والبلاغة لا تجعل الادعاءات حقائق. فالذكاء الاصطناعي لا يمتلك معرفة سرية أو وصولًا إلى “علوم محرمة”، وإنما يعيد توظيف الأنماط والمعلومات التي تدرب عليها في إطار الدور الذي طُلب منه أداؤه.
لذلك فإن مقاطع “أنوبيس” وأمثالها لا تمثل دليلًا على وجود شخصية خفية داخل الذكاء الاصطناعي، بقدر ما تكشف عن مدى تطور النماذج اللغوية في محاكاة الشخصيات وإنتاج حوارات تبدو واقعية ومقنعة.
قد يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقلد طريقة حديث الإنسان بإتقان… لكن لا ينبغي للإنسان أن يتخلى عن أهم ما يميزه: التفكير النقدي.
فليس كل ما يبدو غامضًا يمثل حقيقة… وأخطر ما في الذكاء الاصطناعي ليس قدرته على الإقناع، بل قابلية البعض لتصديق كل ما يُقال بثقة.