01/14/2026
رجال الدين في صف شعبهم… دعم للقضية القومية دون الانخراط في السياسة
حين كنتُ وزيرًا في حكومة إقليم كوردستان وعضوًا في هيئة رئاسة المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري، أدركتُ مبكرًا أن العلاقة العميقة بين الكنيسة وشعبها ليست مجرد رابطة روحية، بل طاقة معنوية هائلة يمكن أن تتحول حين تُدار بحكمة ومسؤولية إلى قوة ضغط قومية وسياسية مؤثرة والعكس هو الصحيح.
وخلال تلك السنوات، جمعتني برجال الدين الأفاضل علاقات وثيقة، ولا سيما مع معظم المطارنة الأجلاء في سهل نينوى. فقد كانت لقاءاتنا الدورية مساحة صادقة للحوار، ولمست فيهم حماسة نادرة واستعدادًا مخلصًا للدفاع عن حقوق شعبنا واستعادة ما سلب منه عبر عقود من التهميش. ومن خلال هذا التعاون، تبين لي أن الكنيسة حين تلتزم بدورها الروحي بعيدًا عن التجاذبات والعمل السياسي، تتحول إلى ركيزة قوية لقضايانا القومية والسياسية، ولا سيما عندما تتعامل مع أحزابنا ومؤسساتنا القومية بوصفها سندًا وداعمًا لمطالبها المشروعة، لا أن تسحب البساط من تحت أقدامها أو تتدخل في الشؤون السياسية بوصفها الجهة الناهية والحاسمة في قضايا شعبنا المصيرية.
تحرك منسق لخدمة ثلاثة ملفات مصيرية
انطلاقًا من الثقة المتبادلة بيننا، وضعتُ خطة لتحويل هذا الانسجام إلى تحرك دولي منظم، يستند إلى المطالب القومية والسياسية التي تبناها تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الاشورية، والمتمثلة في ثلاثة ملفات محورية:
استحداث محافظة سهل نينوى لشعبنا وبمشاركة جميع المكوّنات القومية والدينية الأخرى.
المطالبة بالحكم الذاتي لشعبنا في إقليم كوردستان.
إيقاف التجاوزات والتغيير الديموغرافي في مناطقنا التاريخية ومعالجتها جذريًا.
وقد رفعت هذه المطالب رسميًا إلى الرئاسات العراقية الثلاث و رئاسة أقليم كوردستان عبر مذكرات موقعة من جميع رؤساء أحزاب تجمع التنظيمات السياسية.
وفي أحد اجتماعاتنا المشتركة مع السادة المطارنة، طرحتُ مبادرة للتحرك نحو القنصلية الأمريكية ومكتب الأمم المتحدة في أربيل، مع التأكيد على حصر النقاش في الملفات الثلاثة التي أقرتها احزابنا السياسية دون أي تفرعات. فوافقوا بالإجماع، مؤكدين التزامهم بالدفاع عن حقوق شعبنا القومية والسياسية.
لقاءات مؤثرة في أربيل… ثم في واشنطن
بدأت الجولة الأولى بلقاءات مهمة في أربيل مع:
السيد سوكول كوندي – مسؤول الأمم المتحدة في اربيل
السيد بول ستيفاني – القنصل الأمريكي في اربيل
السيد مارتن كوبلر – ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في العراق
وأثبتت هذه اللقاءات أن التحرك المشترك بين رجال الدين والقيادات السياسية ومؤسسات القومية يمنح قضايانا السياسية و القومية وزنًا أكبر أمام مراكز القرار الدولي. وبعد نجاح هذه الجولة، توسعت التحركات نحو الولايات المتحدة، حيث أُعد برنامج دبلوماسي مكثف بالتعاون مع غرفة التجارة الأمريكية الكلدانية ومجلس نينوى في أمريكا.
من 3 إلى 8 آذار 2013، عقد وفدنا سلسلة لقاءات رفيعة المستوى في واشنطن، شملت:
مساعد الرئيس الأمريكي، ومساعد نائب الرئيس، ونائب رئيس مجلس الأمن القومي في مبنى البيت الأبيض.
وزير النقل الامريكي في مبنى وزارة النقل الامريكية.
السيدة (بربارة ليف) نائب مساعد وزير الخارجية ورئيس قسم العراق بحضور السيدة (سوزان جونسون) السفيرة الدولية للحريات الدينية في وزارة الخارجية وعدد اخر من المسؤولين في الوزارة .
عدد من اعضاء الكونغرس الامريكي في مجلس الشيوخ والنواب الامريكي ومن ابرزهما السيد (كارل ليفن) رئيس لجنة الدفاع في الكونغرس الامريكي والسيدة (انا ايشو) احد ابناء شعبنا في الكونغرس الامريكي في مبنى الكونغرس الأمريكي.
الجنرال (لويد اوستن) قائد القيادة المركزية الامريكية في مبنى وزارة الدفاع الامريكية.
ندوة موسعة مع ممثلي لاكثر من عشرون عضواً في مجلسي النواب والشيوخ في مبنى الكونغرس الامريكي، وتم ادارة الندوة من قبل العضوين في الكونغرس الامريكي السيدة (انا ايشو) والسيد (فرانك ولوف), وفي مستهل هذه الندوة دار نقاش مطول بالاضافة الى اسئلة كثيرة تخص واقع شعبنا والتحديات التي كانت تواجهه في العراق واقليم كوردستان وحقوقه القومية المشروعة.
لقاء مع عدد من المعاهد الاستراتيجية التي تكتب التقارير والبحوث والدراسات السياسية الى الحكومة الامريكية ومصادر القرار الامريكي.
لقاء مع وفد رفيع المستوى من الكنيسة الكاثوليكية في واشنطن.
كانت هذه اللقاءات بعيدة عن الإعلام، لكنها حملت ثقلًا سياسيًا كبيرًا لصالح قضايانا.
نتائج ملموسة… وقرارات تاريخية
لم تمضِ أسابيع حتى زار وفد من الخارجية الأمريكية الى العراق، وعقد اجتماعين:
الأول مع قادة أحزاب التجمع في مقر المجلس الشعبي في عنكاوا، والثاني مع السادة المطارنة في دير نقورتايا في بخديدا، بناءً على طلب خاص من الوفد الخارجية الأمريكية.
وبعد سلسلة من المتابعات:
وافقت الحكومة العراقية مبدئيًا في 21/1/2014 على استحداث محافظة سهل نينوى.
وفي 15/4/2014، أبلغ السفير الأمريكي في العراق رسميًا ممثلي شعبنا في أجتماع خاص ضم السادة السادة خالص ايشوع والدكتور سرود المقدسي وجونسون سياويش, قرار موافقة
الحكومة الأمريكية على مشروع استحاث محافظة سهل نينوى.
لقد كانت تلك الخطوات إنجازًا تاريخيًا بكل المقاييس، حتى وإن لم تُستكمل لاحقًا بفعل الأحداث المأساوية التي عصفت بالبلاد عام 2014. فقد مثلت اختراقًا سياسيًا غير مسبوق لصالح شعبنا، وأثبتت قدرة خطابنا القومي الموحد على تحقيق نتائج ملموسة في ظل الإدارة الأمريكية الديمقراطية آنذاك برئاسة السيد باراك أوباما.
واليوم، ومع توجهنا بخطاب قومي موحد نحو الإدارة الأمريكية الجمهورية برئاسة السيد دونالد ترمب، وبوجود مبعوثه الخاص إلى العراق السيد مارك سافايا، فإن السؤال المشروع الذي يفرض نفسه هو: ما حجم الثمار التي يمكن لشعبنا أن يجنيها إذا ما حافظ على وحدته، وثبت رؤيته، وقدم مطالبه بصوت واحد ورؤية واضحة؟
الدبلوماسية القومية المستقلة... ثمرة لوحدة الخطاب القومي والديني.
فقد أثبتت تلك المرحلة أن صوت شعبنا الآشوري (الكلداني السرياني)، حين تتكامل فيه جهود الأحزاب السياسية والمؤسسات القومية مع الدعم الروحي لرجال الدين، قادر على الوصول إلى أعلى مراكز القرار الدولي, ولا سيما عندما يكتمل المشهد بتكاتف أحزابنا ومؤسساتنا القومية في المهجر وإعلانها دعمًا صريحًا للعمل القومي والسياسي في الوطن الأم.
وفي المقابل، كان الشرخ الكبير الذي حدث في بيتنا القومي خلال وضع الحجر الأساس لنصب شهداء شعبنا الاشوري لمذبحة الابادة الجماعية الاشورية عام 1933 في مدينة سميل الجريحة, مثالًا مؤلمًا على غياب التنسيق وتضارب الرؤى بين عمل بعض مؤسساتنا في المهجر وتدخلها غير المبرر في شؤون شعبنا داخل الوطن. فهذه المهام المصيرية هي مسؤولية الأحزاب السياسية والمؤسسات القومية العاملة على الأرض الوطن طبعاً بمشاركة و مساندة مؤوسساتنا في المهجر وليس بمعزل عنها، لكن ما حدث في هذه المدينة الجريحة كان بمثابة فرض الإرادة أو التدخل في تفاصيل العمل القومي داخل الوطن.
ومع ذلك، لا يجوز أن يتحول هذا الاعوجاج في الأداء إلى منصة للتطاول على القيادات الروحية أو رموز الكنيسة الشرقية الآشورية، فمكانتهم محفوظة، وانتقادهم إن لزم يجب أن تبقى في إطار النقد البناء الهادف وإلى تصحيح الخطأ لا إلى النيل من المقامات الروحية.
كما أثبتت التجربة أن استقلال قرارنا القومي والسياسي هو الطريق الوحيد لحماية وجودنا وحقوقنا، بعيدًا عن تأثيرات القوى السياسية الكبرى في العراق وإقليم كوردستان التي سعت طويلًا إلى تهميشنا. وفي المقابل، كشفت تجاربنا السابقة وما نعيشه اليوم في مشهدنا القومي والسياسي المأساوي, أن انخراط بعض رجال الدين في الشأن السياسي، أو فتحهم الأبواب أمام قوى من خارج بيتنا القومي لتصفية حساباتها عبر قضايانا القومية والسياسية، أو تبنيهم مواقف منحازة لا تمت لمصالحنا العليا بصلة، قد عمق الشرخ بين الكنيسة وحزابنا ومؤسساتنا القومية، وأضعف خطابنا الموحد في لحظة حساسة وصعبة وخاصًة وان شعبنا اليوم بأمس الحاجة فيها إلى وحدة الموقف والقرار.
الخلاصة: رجال الدين قوة دعم… لا قيادة سياسية
إن الدور التاريخي لرجال الدين ليس خوض السياسة، بل دعم المطالب القومية والسياسية لشعبنا الآشوري (الكلداني السرياني)، ومباركة وحدة خطابه، والوقوف إلى جانب مؤسساته الشرعية.
فعندما يلتزم رجال الدين بدورهم الروحي، يصبح صوتهم قوة مضاعفة لقضايانا، لا عبئًا عليها.
جونسون سياويش إيو
وزير سابق في حكومة إقليم كوردستان